ماذا لو

الحياة بعد كورونا… ماذا لو تحدّينا الطبيعة؟

هناك من يؤمن أن “فايروس كورونا” (CoronaVirus)، المعروف أيضًا بـ “COVID-19″، هو مُجرّد وباء طبيعي جاء نتيجة لعدم الاهتمام بالنظافة. وهناك من يؤمن كذلك أن “الفايروس” انتشر بفعل فاعل، وأن جهة ما تقف خلفه. في كلتا الحالتين، لا يُمكن الجزم أو التأكيد، لأن النقاش عقيم جدًا وستنتج عنه خلافات وصدامات مثل تلك التي تُناقش -حتى يومنا هذا- أحقيّة الخلافة بعد وفاة الرسول، عليه الصلاة والسلام.

لكن ألا يستحق ما يحدث اليوم، جراء انتشار وباء “كورونا” من توقّف للحياة الطبيعية ومن حالات حظر شبه كاملة في بعض المُدن حول العالم، وقفة بسيطة للتأمّل؟ ولمراجعة بعض الأمور التي أصبحت “طبيعية” في حياتنا وأصبح الخروج عنها خروج عن الطبيعة على الرغم من أنها من الناحية المنطقية في وقتنا الحالي بعيدة كل البعد عن المنطق؟

في عزلتنا الحالية، ألم يحن الوقت لكي تخرج فكرة الإنجاب عن كونها مُجرّد خطوة لازمة بعد الزواج؟ أو عن كونها “ضغط اجتماعي” لأن الأهل والأقارب رأوا أن الوقت قد حان؟ أو عن كونها “تسلية” للطفل الأول الذي يجب أن يحصل على أخ/أخت لمُساندته في وحدته؟

ما السبب المنطقي الذي يدفع شخص تهجّر من منزله ووطنه لبلد آخر لا يُقدّم له أساسيات الحياة، حتى أبسطها كأوراق رسميّة تُثبت إقامته فيها، أن يقوم بإنجاب أكثر من طفل؟

ألم يحن الوقت للتخلّص من حُمّى “الامتلاك” التي تُثبت تفوّق الفرد العربي على الآخر؟ امتلاك منزل أو سيّارة، امتلاك ثلاثة أطفال، امتلاك 10 خادمات، خمسة أراضي، وشُرفة “بلكون” في زُحل!

من قال أن امتلاك الفرد لمنزل في وقتنا الراهن هو خطوة صحيحة 100٪؟ وفق أي منطق؟ منطق أن الفرد حتى لو جار عليه الزمان وبقي بدون دخل سيجد منزلًا يتآوى فيه! لكن ماذا عن السنوات التسع أو العشر الذي قضاهم، أو ما زال يقضيهم، في دفع أقساط المنزل؟ لماذا لا يؤخذوا بعين الاعتبار طالما أن الحوار منطقي؟ ماذا عن ضرائب الدولة على العقارات؟ هل سيتُرك الفرد وشأنه دون مشاكل قانونية لو تخلّف عن دفعها؟ هل سيُترك العقار وشأنه دون أن يُرهن ويُسلب من صاحبه وكأنه لم يشقى للحصول عليه.

هناك مُجتمعات تعيش على أفكار تُعاكس تمامًا تلك التي نعيش عليها، ونجحت خلال العقود الخمسة الأخيرة في الوصول لأعلى مستويات التفوّق العلمي والبشري، ألم يحن الوقت اليوم لتحليل تجاربها للتعلّم منها ونقلها مع ترك أي شيء لا يُناسب مُعتقادتنا؟ ألم يحن الوقت حتى لتكوين نتائج جديدة بعد التجارب ونبذ “هذا ما وجدنا عليه آياؤنا”؟

ألم يأتي الوقت الذي نتخلّص فيه من قاعدة “بنت خالتها” التي تُعتبر المقياس الذي يجب على العريس أن يتفوّق عليه عند التحضّر للزواج؟ من قال أن حفلة الزفاف يجب أن تكون بـ 200 شخص على الأقل لتجنّب رسائل العتاب؟! وأن المنزل يجب أن يكون في أفخم حيّ لأن “بنت خالتها” تسكن فيه، وأن شهر العسل يجب أن يكون في جزٌر “السيشِل” حتى ولو كانت تكالفيه قرض من البنك.

ولا يجب أن ننسى فكرة أن يبقى الشخص، ذكر أو أُنثى، في وظيفته الحالية حتى لو لم يكن قادرًا على تحمّلها لأن جلوسه في المنزل للبحث عن ذاته إثم اجتماعي لا يُمكن لأسرته تحمّله!

الكُرة الأرضيّة لن تتأثّر بالحضارة البشريّة الحالية -شاهد الفيديو المُرفق في الأسفل لتفهم السبب- لأن المنظومة الكونيّة أكبر من البشر الذين ظنّوا في يوم من الأيام أنهم يملكونها. أو على الأقل، سوّلت لهم أنفسهم التفكير أن الحياة تسير على نسق واحد، وتناسوا أنها دار ابتلاء بأيامٍ بيضٍ وسود يحتاج الإنسان فيها لشخص آخر بجانبه، شخص لم يُشترى لا بمنزل، ولا بمنصب، ولا بحفلة، ولا حتى بأي شيء آخر.

الحياة فكرة وموقف يحتاج الإنسان للإيمان بهما بشكل كامل مع تناسي أية ضعوطات لا أساس لها من المنطق. وتجدر الإشارة هُنا إلى أن الإيمان بشيء ما يتطلّب تحليله أولًا وفهمه ثانيًا والبحث عن منطقيّته ثالثًا، وليس مُجرّد شيء نتحصّن به لتجنّب النقاش في تلك الفكرة أو ذلك الموقف.

الوسوم
اظهر المزيد

فراس اللو

مُبرمج ومُطوّر تطبيقات ومواقع. صانع مُحتوى ومُحرّر تقني في موقع ميدان الجزيرة.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. مقال رائع أعجبني.
    لا سيما حديثك عن التملك.
    لا زلت للآن لا أفهم لماذا ملكية المنازل هدف يسعى الكثير إليه في الوطن العربي. بل إن ملف رؤية 2030 السعودية تضع بندا مفاده ضرورة رفع نسبة ملكية المنازل بين السعوديين. ضمن أهدافها المسطرة. لم أفهم جدوى هذه النقطة. ما الذي ستستفيد المملكة مثلا ان اصبح 90 بالمئة من السعوديين يملكون منازلهم؟!.
    منذ عرفت أن 1 بالمئة من الشعب البريطاني يملك نصف أرضي المملكة. وهم يعيشون بخير. لم أعد أرى تملك المنازل أمرا ينبغي أن يضع له المرء ما يوضع له الآن من أهمية في الوطن العربي.

    1. صديقي هشام أخبرني عن وجود مشاريع في بعض البلدان للتملّك التشاركي. يعني أن تشتري منزل رفقة 11 شخص آخرين، ويحق لكل شخص مُشترك المكوث في ذلك المنزل لمدّة شهر في السنة، وهذا شيء رائع مثلًا بخصوص بيوت الصيفيّة وتُخلّص الشخص من عناء شراء منزل لا يستخدمه سوى شهرين أو ثلاثة في السنة.

اترك رداً على يونس إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق