ماذا لو

هل الجشع من سِمات عقل الإنسان؟!

يتدخّل عقل الإنسان -بحسب معرفتي- بجميع وظائف الجسد، فالعين مثلًا مسؤولة عن التقاط انعكاس الضوء، لكن العقل هو المسؤول عن مُطابقة الصورة ومن ثم تفسيرها خلال أجزاء من الثانية. نفس الأمر عند الشعور بالعطش، فالعقل يُعطي أوامر للعضلات لمُساعدة الشخص على النهوض وشرب كأس من الماء.

الأمثلة على تدخّل العقل في كل شاردة وواردة كثيرة. وبما أنه مسؤول عن اتخاذ القرارات، فهو مسؤول إذًا عن تشجيع الإنسان على شراء شيء جديد مثلًا ومنحه، أي منح الإنسان، جرعة من عدم الرضا لشيء يمتكله.

خلفيّة دراميّة

بسبب الحظر الجزئي المفروض علينا، أسعى يوميًا للخروج مساءً مع غروب الشمس والمشي مسافة عشرة كيلومترات تقريبًا. في تلك الساعات يكون انعكاس الشمس على سطح البحر عظيم جدًا يُغريك للتوقّف قليلًا لإخراج هاتفك في محاولة لمُشاركة ما شاهدته مع البقيّة لتتفاجىء بأن قرص الشمس على شاشة الهاتف أشبه بنقطة صغيرة، تمامًا مثل الفرق بين وجبة “مكدونالدز” في إعلان وعلى أرض الواقع، شتّان!

وبحكم أني تقني، حاولت التفكير بالأسباب التي تؤدّي إلى رداءة الصورة وطبعًا حجم العدسة ومن بعدها الإضاءة هي التفسيرات المنطقية. حاولت تغيير زاوية التصوير وترك الشمس وانعكاسها للتركيز على عُنصر آخر كأساسات جسر قديم غمرها سطح البحر، إلا أن النتيجة لم تُرضني كثيرًا.

لعبة تسويقيّة

قبل عام، وعند شرائي لهاتفي الذكي في ذلك الوقت، كانت الصور التي يلتقطها عظيمة جدًا، على الأقل بالنسبة لي، فتوازن الألوان كان رائع جدًا، والإضاءة دائمًا ما تكون في مكانها الصحيح، وبإضافة بعض التأثيرات في “انستغرام” تكون النتيجة مُرضية تمامًا، إلا أن الأمر اختلف مؤخّرًا!

تركت الصورة وبدأت بالتفكير بما تغيّر، هل يُمكن أن تكون آبل خلف ذلك بسبب إطلاق جيلين جديدين بعد هاتفي؟ أي أنها تقوم بإضعاف جودة الصورة قليلًا لحثّ المُستخدمين على اقتناء أحدث أجهزتها؟ لا شيء مُستبعد طبعًا لكن مثل هذه المُمارسة قد ينفضح أمرها بسهولة جدًا مع وجود الكثير من مُحترفي التصوير على يوتيوب اليوم.

التفسير السابق لم يكن منطقيًا بالنسبة لي، لذا رغبت في فلسفة الأمر أكثر من ذلك وإعطائه أكبر من حجمه وفكّرت في آلية عمل دماغ الإنسان!

في كل مؤتمر تستعرض الشركات التقنية التحسينات التي أضافتها للكاميرا وتستعرض معها جودة الصورة والفرق الكبير بين الأجيال المُختلفة. من هنا خرج تساؤل لدي حول دور الدماغ في هذا الأمر، دوره في منحي شعور بأن صور هاتفي لم تعد بالدقّة المطلوبة وهذا لأنه، أي الدماغ، شاهد جودة الأجيال الجديدة!

ماذا لو كانت عقولنا جشعة بالأساس؟ تمتلك مقاييس تتطوّر مع مرور الوقت، تتطوّر بمُشاهدة شيء جديد وحدود جديدة لم تصل لها، لتبدأ بعدها برفع سقف التوقّعات، فصور هاتفي التي كانت في يوم من الأيام غنيّة بالتفاصيل أصبحت عاديّة جدًا لأن هناك حدود جديدة كُنت شاهدًا عليها موجودة في أجهزة أُخرى.

هذا يعني أننا وعوضًا عن لوم الشركات التقنية وألعابها التسويقية فقط، نحتاج لمُراقبة عقولنا فهي المسؤولة عن اتخاذ القرار، ورفعها الذاتي للمعايير هو السبب وراء سعينا للمزيد دائمًا وعدم الاكتفاء بما لدينا، وهذا بشكل أو بآخر، ومن وجهة نظر شخصيّة، يتماشى مع مُعظم الأديان والمذاهب الفلسفيّة التي تدعو لتهذيب النفس باستمرار.

باختصار، قد تكون جودة صور هاتفي لم تتغيّر أساسًا. لكن جشع العقول ومعاييرها المُتغيّرة دفعني لاعتقاد ذلك لأن هناك تفاصيل أُخرى لا يُمكن لهاتفي التقاطها مُقارنة بالهواتف التي صدرت بعده، وهذا كل ما في الأمر!

الوسوم
اظهر المزيد

فراس اللو

مُبرمج ومُطوّر تطبيقات ومواقع. صانع مُحتوى ومُحرّر تقني في موقع ميدان الجزيرة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أحببت التدوينة والتحليل
    حدث هذا التساؤل الذي طرحته عندما كنت أصور القمر، دائما كان يظهر صغيرا وصورة مشوشة غير واضحة، وعندما اقتنيت هاتفا جديدا حاولت معه بلا أي فائدة، وحتى جربت بهاتف أمي الأحدث، إلا أنني عندما فكرت يوما أن أصوره بالكاميرا التي لدينا، استطعت التقاط صور رائعة، ولو أنني كنت محترفة بإستخدام الكاميرا لظهرت صور أفضل أيضا.
    بقيت صورة القمر لدي بأنها دائما تظهر كبيرة وواضحة، وكنت أربط التصوير بالهواتف حتى اكتشفت أن الأمر يتجاوز الهواتف “الصورة التي طبعت في دماغي” هي التي أثرت على طريقة تفكيري.
    تدوينتك مفيدة جدا، شكرا جزيلا للمشاركة

اترك رداً على ولاء إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق