تقنيةريادة أعمال

Hey Mail… ثورة البريد الإلكتروني التي قُمعت قبل أن تبدأ!

في عرف البرمجة وتطوير التطبيقات، يُرفع شعار ”إن كانت تعمل فلا تلمسها“ إيمانًا بأن الوصول بأي ميّزة لحالة الاستقرار ليس بالأمر السهل أبدًا. ومن هنا، فإن غضّ النظر عنها والتوجّه لمشاكل أُخرى هو الطريق الذي يسلكه البعض. بينما يُفضّل البعض الآخر، مثل ”ستيف جوبز“ (Steve Jobs) على سبيل المثال لا الحصر، تجربة وتغيير كل شيء أملًا في العثور على طفرة تقنية جديدة. الأمر نفسه تكرّر مع شركة ”بيس كامب“ (BaseCamp) التي فاجئت العالم في 2020 بمُنتج جديد حمل اسم ”هاي ميل“ (Hey Mail) قادم لإحداث ثورة في عالم البريد الإلكتروني الراكد منذ 25 عام تقريبًا(1).

وداعًا ”جي ميل“

يقف خلف شركة ”بيس كامب“ مجموعة من المؤسّسين في مُقدّمتهم ”دافيد هانسون“ (David Heinemeier Hansson) مُطوّر إطار عمل ”روبي أون ريلز“ (Ruby On Rails) الشهير لتطوير تطبيقات الويب باستخدام لغة ”روبي“، وهو اسم قادر لوحده على رفع قيمة أي مشروع بمُجرد المُشاركة فيه. ”هانسون“ كشف في حسابه على تويتر عن خدمة ”هاي ميل“ (hey mail) بشكل مُفاجئ، مؤكّدًا أنها قادمة لتغيير شكل التعامل مع البريد الإلكتروني.

في الفترة الأولى، كان الانضمام لاستخدام ”هاي“ محصورًا بنظام الدعوات(2)، الأمر الذي أعطى قيمة أكبر ودفع مُحبّي التقنية لتسجيل اسمائهم في قائمة الانتظار أملًا في تجربة شيء جديد قبل الجميع، وهذه استراتيجيّة نجحت فعلًا في التسويق دون بذل الكثير من الجهد من قبل القائمين على المشروع الذي يُمكن استخدامه بشكل مجاني لمدة اسبوعين فقط قبل الحاجة لدفع 12 دولار أمريكي شهريًا، أو 99 دولار أمريكي سنويًا(3). نعم، خدمة بريد إلكتروني مدفوعة في 2020 في وقت يُمكن الاستفادة فيه من ”جي ميل“ (Gmail) أو ”آوت لوك“ (Outlook) مجانًا!

من الناحية العملية، فإن الخدمة تُركّز بداية على تنظيف صندوق البريد الوارد (inbox)، فالرسائل الواردة من أشخاص للمرّة الأولى لا تصل للصندوق مُباشرةً، بل تذهب لمرحلة التصفية (screener) بحيث يرفض أو يوافق المُستخدم على استلام الرسائل من تلك العناوين، وبالتالي إما تختفي تمامًا أو تصل لصندوق الوارد الذي يفصل الرسائل المقروءة عن الغير مقروءة لكي لا يتشتّت المُستخدم عندما تكون لديه الكثير من الرسائل.

وبعيدًا عن تنظيم الرسائل الواردة، تُقدّم الخدمة إمكانية تحديد الرسائل للرد عليها لاحقًا، لتظهر ضمن تبويب صغير أسفل الشاشة بحيث يُمكن للمُستخدم العودة إليها في وقت لاحق بكل سهولة دون نسيانها. تجميع النقاشات والتخلّص من التواقيع التي تُزيّن نهاية مُعظم الرسائل هي واحدة من الأمور التي استُخدمت عند الترويج لـ ”هاي“ لأنها مؤذيّة للعين بحسب القائمين على الخدمة الجديدة!

ومع مرور الوقت، حصلت الخدمة على ميّزات جديدة مثل إمكانية الرد الجماعي على الرسائل، أو إمكانية إنشاء مدونة شخصيّة والنشر عليها من خلال إرسالها على عنوان إلكتروني مُحدّد، إلا أن هذا الأمر لم يشفع لها حتى الآن، ولم يرفعها للمكانة العُليا التي وضعت فيها عند الترويج لها، فالأخبار والنقاشات على الشبكات الاجتماعية تكاد تكون مُتقطّعة.

تسويق بإثارة الجدل

لم يعتمد القائمون على ”هاي“ على نظام الدعوات فقط لإثارة الجدل وشدّ الانتباه للخدمة الجديدة، بل كان أسلوب البعض منهم على شبكات التواصل الاجتماعي قائمًا على الهجوم أو السُخرية من خدمات البريد الأُخرى من غوغل ومايكروسوفت، فتارةً يتم الحديث عن كميّة التلوّث البصري الموجود في واجهات ”جي ميل“، وتارةً أُخرى يتم الحديث عن اختراق خصوصيّة المُستخدم وقراءة رسائله دون علمه، وهي أمور غير مُرحّب بها في ”هاي“.(4)(5)

لكن الأمر الأكثر إثارة كان هجوم ”هانسون“ العلني على شركة آبل التي رفضت التطبيق أكثر من مرّة في متجر التطبيقات لأنه مُخالف لبعض اتفاقيات الاستخدام، إضافة لمهاجمة سياسة آبل في اقتطاع نسبة من عمليات الشراء التي تتم داخل التطبيق،في وقت كانت فيه فيسبوك تسير في نفس الاتجاه لأن ”زوكربيرغ“ يرى أن آبل تُقيّد حرّيات المُستخدمين بسياساتها، وتؤثّر على الشركات أيضًا(6)(7)، الأمر الذي دفع ”تيم كوك“ (Tim Cook)، الرئيس التنفيدي لشركة آبل، للرد شخصيًا على تلك الادعاءات بمُشاركة جزء من الأرباح التي جنتها الشركات التي تبيع خدماتها وتطبيقاتها عبر متجر تطبيقات آبل، ”آب ستور“ (App Store)(10)، لكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لـ ”هانسون“ الذي استمرّ في حربه ضد عمالقة التكنلوجيا على شاكلة مايكروسوفت وفيسبوك بالتزامن مع فتح تحقيقات من قبل المُشرّعين في أمريكا والاتحاد الأوروبي ضد تلك الكيانات الكُبرى(11).

”هانسون“، نظرًا لكونه مؤسّس ”هاي“، استغلّ شبكة مُتابعيه على تويتر التي تصل إلى نصف مليون تقريبًا لنشر تدوينات وتغريدات تُدين سياسة الاحتكار المُتبّعة في متاجر التطبيقات أيًا كانت، الأمر الذي لا مشاكل فيه لأنه يُعبّر عن رأيه في النهاية، إلا أن الزجّ بخدمة ”هاي“ في كل تغريدة مُتعلّقة بمُمارسات غوغل وفيسبوك التي تخترق خصوصية المُستخدمين وآبل التي تُقيّد حرّية المُستخدمين يُظهر أن رغبته في ركوب الموجة ليست دفاعًا عن المُستخدمين بالمرتبة الأولى(8)(9)، بل للتسويق لمشروعه الجديد الذي اعتمد في تسويقه على عيوب المُنافسين لتظهر ميّزاته على أنها ثورية لا مثيل لها، وهو أسلوب قد يضع المُنتج بموقف ضعف المشروع ينجح حينما يُعالج مُشكلة موجودة في السوق، لا حينما يختلق مُشكلة لا تؤرق بالأساس مُستخدمي البريد الإلكتروني.

اختلاق المشاكل

لكسب ود شريحة من المُستخدمين، لا بُد من تقديم ما يُعرف بالقيمة المُضافة التي تجعل المُستخدم يترك خدمة من أجل الأُخرى، وهو شيء سعى القائمون على ”هاي“ لتوفيره لكن دون جدوى تُذكر للعديد من الأسباب.

عند الحديث عن الميّزات الرئيسية في ”هاي“ مثل عدم السماح للرسائل من أشخاص غير معروفين بالوصول إلى صندوق الوارد، أو الرسائل الهامّة (Imbox) كما يُسمّى هُناك، فإن المُستخدم يبقى بحاجة لزيارة صفحة خاصّة للتصفيّة. وفي خدمات البريد الإلكتروني التقليدية مثل ”جي ميل“ مثلًا، يُمكن للمُستخدم تنفيذ نفس الأمر عبر تحديد الرسالة والضغط على زر ”مُزعج“ (Spam)، لتختفي الرسالة من صندوق الوارد.

فصل الرسائل المقروءة عن الغير مقروءة خاصيّة تُحسب لـ ”هاي“، لكنها ليست مُستحيلة وفي ”آوت لوك“ من مايكروسوفت يُمكن تنفيذ نفس الأمر تقريبًا. إزالة التواقيع من الرسائل أو خاصيّة الرد الجماعي على الرسائل ما زالت أمور يُمكن القيام بها بشكل أو بآخر في مُزوّدات أُخرى، ولو بشكل غير مُباشر. وبالتالي، فإن نُقاط قوّة ”هاي“ لا يُمكن أن تكون قيمة مُضافة يدفع المُستخدم اشتراكًا شهريًا للحصول عليها.

بالنظر للصورة الكاملة، فإن خدمة البريد الإلكتروني بشكلها الحالي لا تُعاني من أية مشاكل. إلا أن طريقة استخدام البريد الإلكتروني هي التي ولّدت بعض المشاكل وظهرت أدوات ناجحة بالفعل لتصحيح المسار.

في وقت من الأوقات، استُخدم البريد الإلكتروني كوسيلة لتبادل الرسائل بين المُستخدمين، أو بين أعضاء فريق العمل، ولهذا السبب ظهرت خدمات ناجحة على شاكلة ”سلاك“ (Slack) التي أتاحت للمُستخدمين تبادل الرسائل بسرعة وبتنظيم أكبر، وهذا سبب استمرار هذه الأدوات وظهور مُنافسين لها أيضًا(12). تبادل الملفّات والمُستندات كان في يوم من الأيام من اختصاص البريد الإلكتروني، لكن أدوات مثل ”مُستندات غوغل“ أو ”وي ترانسفير“ (WeTransfer) جاءت لتسهيل حياة المُستخدمين.

يُمكن الاستمرار في طرح أمثلة أكثر عن استخدامات لم يكن البريد الإلكتروني الحل الأنسب لها، وهي نقطة غابت عن مُطوّري ”هاي“ الذين ركّزوا على نُقاط ليست محورية، وتجاهلوا بدورهم، على سبيل المثال لا الحصر، توفير تقويم يُساعد المُستخدمين على تنظيم مواعيدهم واجتماعاتهم، وبالتالي أي دعوة لاجتماع يستلمها المُستخدم على بريده في ”هاي“ تعني أنه بحاجة للقيام بجهد يدوي لإضافة الموعد للتقويم لكي لا ينساه(13).

يُمكن تلافي أي نقص موجود في الخدمة، فالتطور تراكُمي كما هو الحال في جميع التطبيقات والخدمات. لكن أن يتم الهجوم على أسماء قديمة في المجال ورفع سقف التوقّعات لشيء لا يؤثّر على تجربة الاستخدام كثيرًا هو ما جعل الحمل أكبر على أكتاف ”هاي“، ومنح النُقّاد مساحة أكبر لأن حجم الوعود لم يرقى أبدًا لما هو موجود على أرض الواقع.

عدم تغيّر شكل استخدام البريد الإلكتروني خلال ربع قرن من الزمن لم يكن بسبب ضعف الرؤية، بل لأن طُرق استخدام البريد الإلكتروني الخاطئة دفعت لتطوير أدوات مُنفصلة، في وقت تبقى فيه الخاصيّة الأساسيّة التي وجد البريد الإلكتروني من أجلها تعمل بدون مشاكل.

المراجع

  1. خدمة ”هاي ميل“ للبريد الإلكتروني
    https://www.hey.com/index.html
  2. الانضمام لخدمة ”هاي ميل“ باستخدام نظام الدعوات فقط
    https://yourstory.com/2020/06/basecamp-new-invite-email-service-hey-user-control/amp
  3. أسعار ”هاي ميل“
    https://www.hey.com/pricing/
  4. تدوينة مؤسّس ”هاي“ ضد متجر تطبيقات آبل
    https://world.hey.com/dhh/apple-is-an-accomplice-to-fraud-b4197da7
  5. السُخرية من تطبيق آبل للبريد الإلكتروني
    https://twitter.com/dhh/status/1250126745136578561?lang=en
  6. هجوم ”هانسون“ على شركة آبل
    https://www.imore.com/basecamp-and-hey-email-founder-had-penchant-personal-drama-said-apple-internal-email
  7. زوكربيرغ ينتقد سياسات شركة آبل الاحتكارية
    https://www.cnbc.com/2021/03/18/zuckerberg-facebook-may-be-in-stronger-position-after-apple-ios-14.html
  8. استياء ”هانسون“ من تهميش خدمته للبريد الإلكتروني
    https://twitter.com/dhh/status/1250451962694266880?lang=en
  9. ثورة ”هاي“ في وجهة خدمات البريد التقليدية
    https://www.businessinsider.com/basecamp-new-email-service-hey-gmail-2020-2
  10. دفاع ”تيم كوك“ عن نموذج عمل آبل
    https://www.macworld.com/article/234294/apple-picks-a-fight-with-popular-app-developer-basecamp-on-eve-of-wwdc.html
  11. ”بيسكامب“ في حرب مفتوحة ضد عمالقة التقنية
    https://twitter.com/dhh/status/1383040313762181121
  12. نجاح خدمة ”سلاك“ لتبادل الرسائل الفورية بين الموظّفين
    https://nira.com/slack-history/
  13. عدم وجود تقويم في خدمة ”هاي“
    https://theproductangle.com/hey-is-the-new-email-service-from-basecamp-worth-the-hype/
الوسوم
اظهر المزيد

فراس اللو

مُبرمج ومُطوّر تطبيقات ومواقع. صانع مُحتوى ومُحرّر تقني في موقع ميدان الجزيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق